ابن بسام
169
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وقل [ 1 ] ذلك منّي في هذه النائبة [ الهادمة ] ، والنازلة القاصمة [ 2 ] ، إلّا أني على علمك [ 3 ] عن الإرادة مردود ، وفي عقالات الآلام [ 4 ] والأعراض مصفود ، جعل اللّه هذا المصاب الخطير آخر ما يقرع لك بابا ، ويخرق [ 5 ] إليك عن كره حجابا . وله من أخرى : كتابي والدمع ينشئ لعيني سحائبه ، والحزن يجهّز إلى نفسي كتائبه ، والصبر قد فلّت شباته ، وصوّح نباته ، والقلب قد أظلمت آفاقه ، واشتدّ بنار الرزيّة احتراقه ، بما فجأ من وفاة الوزير الفقيه أبي فلان [ 6 ] ، عمدة الإسلام ، ومبيّن الحلال والحرام ، / وهاتك حجب الضّلالة والجهالة ، فالديانة عليه لابسة الحداد ، مفجوعة الفؤاد ، وهي لفقده باكية الأجفان ، عاطلة البنان ، مخلقة الجلباب ، منقطعة الأسباب ، منكوسة اللواء ، مهجورة الفناء ، قد ذهب ناظرها ، وزمّت للركاب أباعرها ، [ وسدّت على الطالعين أبوابها ] فمن لتحقيق معانيها ، وتعمير مغانيها ، أم من لاختيار أقوالها ، وتوشية سربالها ، وإظهار ما خفي من مسائلها ، وجلاء ما صدئ من مناصلها ، أم من ينصر ملّة الإسلام ، بلسان [ 60 أ ] كالصمصام ، أم من يردّ على أهل التناسخ ، بالحجج الرواسخ ، الثابتة كالجبال الشوامخ ؛ فالدنيا تحلو لتمرّ ، وتصفو لتكدّر ، وتنظم لتنثر ، وتجمع فتفرّق ، وتسقي لتشرق ، فهي كالشمس تضيء فتعشي ، وكالطعام يغذّي فيؤذي ، فالأولى الزّهد عن زخرفها وزبرجها ، والتّرك لما يحلو من رضابها ، ويخدع من سرابها ، والإعراض عن وصالها ، ونضرتها وجمالها ، فليست تبقي على السيّد ولا المسود ، ولا على القريب والبعيد ، ولا على الملوك والعبيد ، ولا على العالم والجاهل ، ولا [ على ] النّبيه والخامل . ومن أخرى : إذا رمت - أعزّك اللّه - تعزيتك عن المصاب الحادث ، والخطب الكارث ، ذكرت تماسكك فأمسكت ، واستقبلني فاجع الرزيّة فسكت : فلو شئت أن أبكي دما لبكيته * عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
--> [ 1 ] د ط : وقليل . [ 2 ] ب م : الغامضة . [ 3 ] د ط س : بعلمك . [ 4 ] ب م : الألم ؛ ط س : غفلات الآلام . [ 5 ] ط د س : ويخترق . [ 6 ] د ط س : وفاة فلان .